علي محمد علي دخيل

306

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

113 - 117 - ثم نهى اللّه سبحانه عن المداهنة في الدين ، والميل إلى الظالمين فقال وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أي ولا تميلوا إلى المشركين في شيء من دينكم ولا تداهنوا الظلمة فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ أي فيصيبكم عذاب النار وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ أي ما لكم سواه من أنصار يدفعون عنكم عذاب اللّه ، ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ أي لا تنصرون في الدنيا على أعدائكم لأن نصر اللّه نوع من الثواب فيكون للمطيعين وَأَقِمِ الصَّلاةَ ثم أدّها وائت بأعمالها على وجه التمام في ركوعها وسجودها وسائر فروضها طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ طرفي النهار : الغداة والظهر والعصر ، وصلاة زلف الليل : المغرب والعشاء الآخرة إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ معناه : إن الصلوات الخمس تكفر ما بينها من الذنوب ، وقال رسول اللّه ( ص ) أرجى آية في كتاب اللّه : أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ - وقرأ الآية كلها ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ يعني أن ما ذكره من أن الحسنات تذهب السيئات فيه تذكار وموعظة لمن تذكّر به وفكر فيه وَاصْبِرْ معناه : واصبر على الصلاة كما قال : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ أي المصلين فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ أي هلا كان وألا كان ومعناه النفي ، وتقديره : لم يكن من القرون من قبلكم قوم باقون يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ أي كان يجب أن يكون منهم قوم بهذه الصفة مع انعام اللّه تعالى عليهم بكمال العقل ، وبعثه الرسل إليهم ، وإقامة الحجج لهم ، وهذا تعجيب وتوبيخ لهؤلاء الذين سلكوا سبيل من قبلهم في الفساد نحو عاد وثمود والقرون التي عدها القرآن وأخبر بهلاكها ، أي أن العجب منهم كيف لم تكن من جملتهم بقية في الأرض يأمرون فيها بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، وكيف اجتمعوا على الكفر حتى استأصلهم اللّه بالعذاب وأنواع العقوبات لكفرهم باللّه ، ومعاصيهم له إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ المعنى أن قليلا منهم كانوا ينهون عن الفساد وهم الأنبياء والصالحون الذين آمنوا مع الرسل فأنجيناهم من العذاب الذي نزل بقومهم وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ أي واتبع المشركون ما عودوا من النعم والتنعم ، وإيثار اللذات على أمور الآخرة ، واشتغلوا بذلك عن الطاعات وَكانُوا أي وكان هؤلاء المتنعمون البطرون مُجْرِمِينَ مصرّين على الجرم ، وفي الآية دلالة على وجوب النهي عن المنكر لأنه سبحانه ذمّهم بترك النهي عن الفساد ، وأخبر بأنه أنجى القليل منهم لنهيهم عن ذلك ، ونبّه على أنه لو نهى الكثير كما نهى القليل لما هلكوا ، ثم أخبر سبحانه انه لم يهلك إلّا بالكفر والفساد فقال وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ المعنى : وما كان ربك ليهلك القرى بظلم منه لهم ولكن إنما يهلكهم بظلمهم لأنفسهم كما قال : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً الآية . 118 - 122 - ثم أخبر سبحانه عن كمال قدرته فقال وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً أي على ملة واحدة ودين واحد فيكونون مسلمين صالحين ، وذلك بأن يلجئهم إلى الإسلام بأن يخلق في قلوبهم العلم بأنهم لو راموا غير ذلك لمنعوا منه ، لكن ذلك ينافي التكليف ، ويبطل الغرض بالتكليف ، لأن الغرض به استحقاق الثواب ، والإلجاء يمنع من استحقاق الثواب فلذلك لم يشأ اللّه ذلك ، ولكنه شاء أن يؤمنوا باختيارهم ليستحقّوا الثواب ، وقيل معناه : لو شاء ربّك لجعلهم أمّة واحدة في الجنّة ، على سبيل التفضل ، لكنه اختار لهم أعلى الدرجتين فكلّفهم ليستحقوا الثواب ، عن أبي مسلم ، وقيل معناه : لو شاء لرفع الخلاف فيما بينهم وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ في الأديان بين يهودي ونصراني ومجوسي وغير ذلك إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ من المؤمنين فإنهم لا يختلفون ويجتمعون على الحق وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ يريد وللرحمة خلقهم وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ أي وصل وحيه ووعيده الذي لا خلف فيه بتمامه إلى